ابن أبي الحديد

211

شرح نهج البلاغة

إلا بهاشم ، والله إنه أول من سقى بمكة ماء عذبا ، وجعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب . قال الزبير : وكانت قريش تجارا لا تعدو تجارتهم مكة إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم ، يتبايعون بها بينهم ، ويبيعون من حولهم من العرب ، حتى رحل هاشم ابن عبد مناف إلى الشام ، فنزل بقيصر ، فكان يذبح كل يوم شاة ، ويصنع جفنة من ثريد ، ويدعو الناس فيأكلون ، وكان هاشم من أحسن الناس خلقا وتماما ، فذكر لقيصر ، وقيل له : هاهنا شاب من قريش يهشم الخبز ، ثم يصب عليه المرق ، ويفرغ عليه اللحم ، ويدعو الناس . قال : وإنما كانت الأعاجم والروم تصنع المرق في الصحاف ، ثم تأتدم عليه بالخبز فدعا به قيصر ، فلما رآه وكلمه أعجب به ، وجعل يرسل إليه فيدخل عليه ، فلما رأى مكانه سأله أن يأذن لقريش في القدوم عليه بالمتاجر ، وأن يكتب لهم كتب الأمان فيما بينهم وبينه ، ففعل . فبذلك ارتفع هاشم من قريش . قال الزبير : وكان هاشم يقوم أول نهار اليوم الأول من ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب قريشا فيقول : يا معشر قريش ، أنتم سادة العرب ، أحسنها وجوها وأعظمها أحلاما ، وأوسطها أنسابا ، وأقربها أرحاما . يا معشر قريش ، أنتم جيران بيت الله ، أكرمكم بولايته ، وخصكم بجواره دون بنى إسماعيل ، وحفظ منكم أحسن ما حفظ منكم جار من جاره ، فأكرموا ضيفه وزوار بيته ، فإنهم يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد فورب هذه البنية ، لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتموه ، ألا وإني مخرج من طيب مالي وحلاله ما لم تقطع فيه رحم ، ولم يؤخذ بظلم ، ولم يدخل فيه حرام ، فواضعه ، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل ، وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج منكم رجل من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبا لم يؤخذ ظلما ، ولم تقطع فيه رحم ولم يغتصب . قال : فكانت قريش تخرج من صفو أموالها ما تحتمله أحوالها ، وتأتي بها إلى هاشم فيضعه في دار الندوة لضيافة الحاج .